في المملكة العربية السعودية، تمثّل استدامة الطاقة اليوم إحدى التحدّيات الكبرى والفرص الحقيقية في قطاع المطاعم. فالمطعم ليس مجرد مكان لتقديم الطعام، بل هو منصة تتداخل فيها تكاليف التشغيل، تجربة الضيف، والضغوط البيئية. وعندما تزيد كفاءة استخدام الطاقة، تُرسل رسالة قوية بأنّك تعمل بمسؤولية تجاه الكوكب والمجتمع.
هذا الربط بين «توفير الطاقة» و«خفض التكاليف التشغيلية» لم يعد رفاهية، بل ضرورة تنافسية. ففي بيئة تشهد نموّاً حادّاً في عدد المطاعم وأساليبها (سلاسل محلية وعالمية، وتجارب رقمية)، يصبح من الحكمة الاستثمار في الحلول الذكية—من أجهزة تبريد عالية الكفاءة، إلى أنظمة إنارة مبتكرة، إلى انخفاض الهدر في أوقات الذروة—لتحقيق ميزة مستدامة على المدى البعيد.
تنسجم هذه الجهود أيضاً مع طموحات المملكة المعلنة في رؤية السعودية 2030، التي وضعت الاستدامة وتنوّع مصادر الطاقة في قلب استراتيجيتها. فعلى سبيل المثال، ترتبط مبادرات مثل مبادرة السعودية الخضراء بتعزيز كفاءة الطاقة كأحد الركائز الرئيسية. وكما تؤكد إحصاءات المركز السعودي لكفاءة الطاقة، فقد تمّ توفير أكثر من 539 ألف برميل مكافئ نفط يومياً حتى نهاية 2023 بفضل برامج تحسين كفاءة الطاقة.
وبالتالي، فإنّ دمج معايير كفاءة الطاقة داخل مطعمك لا يعطيك فقط وفورات فورية، بل يضعك أيضاً في خانة الجهات التي تلبّي مسؤولية وطنية وتستعد لمستقبل أخضر وأكثر فعالية.
سوف يتناول هذا المقال كيف ولماذا يمكن أن يكون توفير الطاقة استثماراً مدروساً وموجهاً نحو النمو في مطاعمنا.
فهم استهلاك الطاقة في المطاعم
يُعدّ استهلاك الطاقة من أكثر العناصر التشغيلية تأثيراً على تكاليف التشغيل وهوامش الربح في قطاع المطاعم. وغالبًا ما يتوزع استهلاك الطاقة بين عدة مجالات رئيسية، أبرزها معدات المطبخ، التي تمثل النسبة الأكبر بسبب الاستخدام المستمر للأفران والشوايات والمقالي الكهربائية، يليها أنظمة التبريد والتجميد التي تعمل على مدار الساعة للحفاظ على جودة المكونات، ثم الإضاءة في الجزء الداخلي وصالة المطعم والتي تعمل لساعات طويلة، فضلاً عن أنظمة التكييف والتهوية التي تستهلك قدرًا كبيرًا من الكهرباء خاصة في موسم الصيف.
أما من ناحية الكفاءة، فكثيراً ما تعاني المطاعم من نقاط ضعف شائعة مثل تشغيل الأجهزة لفترات أطول من اللازم أو استخدام معدات قديمة تستهلك طاقة عالية، أو ضعف العزل الحراري في المطبخ، أو حتى الإضاءة غير الموفرة. وعند جمع مصادر الاستهلاك المختلفة، ترتفع فاتورة الكهرباء الشهرية، مما يجعل تحسين كفاءة الطاقة خطوة ضرورية لخفض التكاليف وزيادة الاستدامة للمطاعم.
استراتيجيات الاستدامة في المطاعم: ترشيد استهلاك معدات المطبخ وزيادة كفاءتها
المطبخ هو النقطة الأهم والأكثر استهلاكاً للطاقة في المطعم. لذا، فإن تحسين كفاءة المعدات من أهم الاستراتيجيات ليس فقط لخفض فواتير الكهرباء بل لتقليل معدل إهلاك المعدات وصيانتها وتعزيز الاستدامة التشغيلية.
كيف يمكن تحسين كفاءة معدات المطبخ؟
لضمان عمل المعدات بأقصى كفاءة وأقل استهلاك، يجب التركيز على المحاور التالية:
-
- الاتجاه إلى أجهزة موفرة للطاقة: على المطاعم استبدال الأجهزة القديمة أو المتهالكة بأخرى تحمل تصنيف توفير الطاقة. فهذه الأجهزة مصممة لتقديم الأداء المطلوب باستخدام طاقة أقل بكثير، خاصة في معدات التبريد والأفران، مما يرشد الاستهلاك على المدى الطويل ويزيد من العمر الافتراضي للأجهزة.
- الصيانة الدورية: تعتبر الصيانة الوقائية أمراً حيوياً، إذ يضمن ضبط الأفران والمواقد بشكل صحيح الوصول إلى درجة الحرارة المطلوبة بسرعة ودقة، دون هدر للطاقة.
- استخدام تقنيات الطهي المتقدمة: أجهزة الطهي الحديثة هي بديل ممتاز للمواقد التقليدية، حيث إنها تسخّن الوعاء مباشرة وليس الهواء المحيط، مما يقلل ارتفاع درجة الحرارة ويوفر الطاقة ويجعل المطبخ أكثر برودة. كذلك توفر القلايات الذكية تحكماً دقيقاً في درجة الحرارة وأنظمة تصفية زيت محسّنة لُيقلل استهلاك الطاقة اللازمة لإعادة التسخين.
- إيقاف تشغيل المعدات غير المستخدمة: يجب تدريب فريق المطبخ على ممارسة بسيطة لكن فعالة، وهي إيقاف تشغيل المعدات مثل الأفران والشوايات وغيرها من الأجهزة خلال ساعات العمل الهادئة أو عند عدم استخدامها.
استراتيجيات الاستدامة في المطاعم: تحسين الإضاءة وكفاءتها مع مراعاة أثرها على الأجواء
تُعدّ الإضاءة عنصراً حيوياً في المطعم، فهي تؤثر على الأجواء وراحة العملاء، كما يمكن أن تكون مصدراً رئيسياً لهدر الطاقة. إن تحسين نظام الإضاءة يمثل استثماراً سريع العائد يجمع بين الجمالية والكفاءة.
لتحقيق أقصى استفادة من نظام الإضاءة بأقل تكلفة، يجب تبني الإجراءات التالية:
- التحوّل إلى إضاءة LED: يعتبر استبدال المصابيح القديمة كالهالوجين بمصابيح LED الموفرة للطاقة الخطوة الأسرع لتحقيق التوفير. حيث أنها تستهلك طاقة أقل بنسبة تصل إلى 80%، كما أن عمرها الافتراضي أطول بكثير، مما يقلل تكاليف الصيانة والاستبدال.
- تركيب مستشعرات الحركة: يجب تزويد المناطق غير المشغولة بشكل دائم، مثل غرف التخزين ودورات المياه، بمستشعرات الحركة التي تضمن إطفاء الأضواء تلقائياً عند خروج الأشخاص، مما يقضي على هدر الطاقة الناتج عن نسيان إطفاء المصابيح، ويضمن إضاءة هذه المناطق عند الحاجة فقط.
- الاستفادة الفعّالة من الضوء الطبيعي: يجب مراعاة وجود الضوء الطبيعي ضمن تصميم المطعم أو حتى تعديل المساحات للاستفادة القصوى من ضوء النهار، فيمكن تركيب النوافذ الكبيرة والاسقف الزجاج، واستخدام الألوان الفاتحة في الديكور ليعزز من توزيع الضوء الطبيعي ويقلل الاعتماد على الإضاءة الصناعية خلال ساعات النهار ويساهم في توفير ملموس في استهلاك الكهرباء.
استراتيجيات الاستدامة في المطاعم: صيانة أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء
من أكثر الأنظمة استهلاكاً للطاقة هي أنظمة التكييف والتهوية، لذا فإن إدارة هذه الأنظمة بكفاءة لا يقتصر على توفير الكهرباء ولكن على الحفاظ على الأجهزة أيضاً، وذلك من خلال:
- العزل والإغلاق المُحكم لتجنب فقدان الطاقة: أهم خطوة هي التأكد من العزل الحراري الفعّال للجدران والأسقف، بما في ذلك إغلاق مُحكم لكافة الفتحات والنوافذ والأبواب.
- الصيانة الدورية والمنتظمة لأنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء: يجب أن تكون الصيانة الدورية جزءاً من الروتين التشغيلي، يتضمن ذلك تنظيف أو استبدال فلاتر الهواء، حيث تعمل الفلاتر المتسخة على إعاقة تدفق الهواء وتجبر النظام على استهلاك طاقة أكبر.
- المُنظِّمات الحرارية الذكية لضبط درجة الحرارة آلياً حسب الإشغال: الانتقال إلى منظّمات الحرارة الذكية يتيح تعديل درجة الحرارة تلقائياً بناءً على مستوى إشغال المطعم. يمكن برمجة هذه المنظمات لرفع أو خفض درجة الحرارة خلال ساعات العمل غير المزدحمة، مما يقلل من الاستهلاك دون التأثير على راحة العملاء.
استراتيجيات الاستدامة في المطاعم: كفاءة أنظمة التبريد والتجميد
من الأنظمة المهمة والتي تؤثر على الاستدامة في المطاعم هي أنظمة التبريد والتجميد التي تعمل على مدار الساعة في أي مطعم. يتطلب ضمان كفاءتها ليس فقط الاستثمار في أجهزة جيدة، بل أيضاً الالتزام بممارسات تشغيلية دقيقة.
لتقليل استهلاك الطاقة دون المساس بسلامة الأغذية، يجب التركيز على:
- ضمان النظافة الدائمة لملفات التبريد وعوازل الأبواب: يجب تنظيف ملفات المكثف (Coils) بشكل منتظم. عند تراكم الغبار والشحوم على هذه الملفات، تصبح الثلاجة غير قادرة على التخلص من الحرارة بكفاءة، مما يجبر ضاغط التبريد أو الكومبريسور على العمل لفترات أطول واستهلاك طاقة أكبر. كما يجب التأكد من سلامة عوازل الأبواب المطاطية، لأن أي تسرب للهواء البارد قد يتسبب في هدر الطاقة المستمر، لذا يجب فحصها واستبدالها عند تلفها لضمان إغلاق محكم.
- تجنب التحميل الزائد للمبردات والمجمدات: لا ينبغي ملء الثلاجات والمجمدات بشكل مفرط. إذ يجب ترك مساحة كافية داخل الوحدة لضمان تدفق الهواء البارد حول المواد المخزنة، مما يحقق درجة حرارة موحدة بكفاءة.
- استخدام غرف التبريد الموفرة للطاقة: يجب اختيار غرف التبريد والتجميد الكبيرة (Walk-in Coolers) المصنفة كـموفرة للطاقة أو التي تتمتع بعزل فائق، وتقنية أبواب الإغلاق الذاتي.
- مراقبة إعدادات درجة الحرارة: يجب التأكد من ضبط درجات الحرارة على المستوى الأمثل لسلامة الأغذية دون المبالغة في التبريد. استخدام نظام مركزي للمراقبة يضمن تنبيه فريق العمل عند حدوث أي انحراف في درجة الحرارة، مما يقلل من هدر الطاقة المحتمل في حالة الضبط الخاطئ.
استراتيجيات الاستدامة في المطاعم: كفاءة استهلاك المياه وغسل الأطباق
لا يقتصر مفهوم الاستدامة على الكهرباء فقط، بل يمتد ليشمل الاستخدام الأمثل للمياه والطاقة الحرارية في عملية غسل الأطباق. فإن إدارة المياه بكفاءة في المطبخ تضمن توفيراً مزدوجاً في استهلاك المياه نفسها وفي الطاقة اللازمة لتسخينها.
لتحقيق أقصى كفاءة في هذا الجانب، يمكن تبني الممارسات التالية:
- تركيب حنفيات منخفضة التدفق وصمامات شطف مسبق موفرة: يجب استبدال الحنفيات التقليدية بحنفيات ذات تدفق منخفض، والتي تقلل كمية المياه المستهلكة دون التضحية بالضغط.
- استخدام غسالات أطباق موفرة للطاقة: عند شراء غسالات أطباق تجارية، يجب اختيار الطرازات التي تحمل تصنيفات عالية للكفاءة في استهلاك المياه والطاقة.
تدريب الموظفين على ترشيد استهلاك طاقة لزيادة الاستدامة في المطعم
تظل التكنولوجيا عديمة الفائدة دون التزام العنصر البشري. لذا، يُعدّ تدريب الموظفين وإشراكهم في مبادرات ترشيد الطاقة خطوة حاسمة لضمان النجاح المستدام، وتحويل الإجراءات الفردية إلى ثقافة مؤسسية راسخة.
- تثقيف الموظفين حول ممارسات توفير الطاقة: يجب تزويد جميع الموظفين، من الطهاة إلى فريق الخدمة، بالمعرفة اللازمة حول كيفية تأثير أفعالهم اليومية على استهلاك الطاقة.
- تأسيس ثقافة المسؤولية: دمج مؤشرات الأداء الخاصة بكفاءة الطاقة ضمن وصف الوظيفة اليومي. ووضع جزاءات وخصومات على مقصرين.
- تقديم الحوافز والمكافآت لاتباع أفضل الممارسات: لتحفيز الموظفين، يجب ربط الأداء الجيد في ترشيد الاستهلاك بـ الحوافز المادية أو المعنوية.
وفي الختام…
إن كفاءة الطاقة هي أكثر من مجرد خيار تشغيلي للمطاعم، إنها استراتيجية عمل متكاملة تحقق عائداً ثلاثي الأبعاد يجمع بين التوفير المالي والمسؤولية البيئية وتعزيز الصورة المؤسسية. فتبنّي ممارسات الاستدامة يؤدي إلى خفض ملموس في فواتير التشغيل وزيادة الربحية عبر تقليل هدر الطاقة وتحسين أداء المعدات، مع المساهمة في حماية البيئة وتقليل البصمة الكربونية للمطعم.
وفي الوقت ذاته، تعزز هذه الجهود صورة العلامة التجارية وتكسبها ثقة وولاء شريحة متزايدة من العملاء الذين يقدّرون الوعي البيئي. ولتحقيق الاستدامة في قطاع للمطاعم، يمكن البدء بمبادرات بسيطة مثل التحول إلى إضاءة LED أو تنفيذ صيانة دورية منتظمة، ثم التوسع تدريجياً نحو تحديث أنظمة التبريد والتهوية والمعدات عالية الكفاءة. فكل خطوة صغيرة في هذا الاتجاه تمثل استثماراً طويل الأمد في مستقبل المطعم، وتؤسس لنجاح مستدام يجمع بين الكفاءة التشغيلية والتميّز البيئي.


